توفيق قاسم: معاناة الروائي مع البحث عن لغة بكر تزامنت مع نشوء الرواية

جريدة الغد

سليم النجار

عمان - يرى الروائي قاسم توفيق أنَّ حضور السارد في مركزية النص الروائي بصفة مستمرة بوصفه طرفاً فاعلاً في أحداث الرواية يمنح الأصوات قيمة صوتية خاصة، وعلى نحو يصبح فيه السارد هو بطل الأحداث، في شبه تماس مع سارد الرواية أو القصة، والزمن والفضاء، والمكان.

ويضيف توفيق أنَّ معاناة الروائي مع الإبداع والبحث عن لغة بكر لم تدسنها الألسنة أو الأقلام قديمة قدم الرواية، واجهها الروائي العربي ماضياً وحاضراً ومستقبلاً بطبيعة الحال، وبكيفيات مختلفة من الاستخدامات اللغوية المتكئة بصفة رئيسة على "الانزياح"، والخروج على الأعراف والقواعد اللغوية، محدثين بذلك فوضى لغوية شوهت الإبداع الروائي اللغوي حتى غدا هذراً لا معنى له ولا طعم.

ويؤكد توفيق في حوار مع "الغد"، أنه لا يبدو أن في توظيف اللغة في الرواية شيئاً جديداً، أو لافتاً فاللغة كانت حاضرة ودائمة في العديد من رواياتي، لكن التمايز بينها يكمن في الرؤية الروائية للغة.

وتساءل كيف يمكن لتلك اللغة، التي يجب أن تثير الجدل أن تتكيَّف لتحمل آراء الروائي وأفكاره الخاصة، وكيف يمكن للروائي من جانب آخر، أن ينظر إليها على أنها ليست أكثر من مادة خام يكيفها ويشكلها وفق رؤاه وأدواته الخاصة، مثله في ذلك مثل الفنان في تحامله مع الريشة والألوان، من غير أن يخرجها عن طبيعتها الأصيلة، التي تحيل إليها، وإلا فقدت مرجعيتها وهويتها التي تدل عليها، وأصبحت عبئاً على النص.

وبين أنَّ عشقه للرواية، تقوم بترجمة العوالم الميثولوجية، والفضاء الكوني بكل أبعاده المتجذرة في الطبيعة والحيوان والإنسان، حيث تقوم النباتات والظلال والحيوانات بدور الكائنات الإجتماعية في حركة الوجود، التي لم تتمخض عنها الحضارة بعد في بكارتها الأولى، وهذه أبرز المفارقات الخطيرة التي أعمل عليها، فضاعت الحفريات في جيولوجيا المجتمع البادرة البعيدة، وبذلك اصطحب قيثارة الشاعر وفأس الروائي في الآن ذاته.

 ويضيف أنه من خلال هذا الفهم للحالة الإبداعية الروائية، يمكن تأليف خيالاً خلاقاً يعيد تصوير الكائنات وهي تتنفس بكارتها الأولى، إنها إعادة بناء ذاكرة الإنسان عندما يسترد مرة واحدة مخبوء الشعر والسرد المكتومين في الإنسان التي تفجره الرواية بشكل إبداعي مذهل.

ويذكر توفيق أن فن القصة لها دلالات ومعان وأبعاد متماسكة وثرية، قد تتنوع من قصة إلى أخرى فتحمل ملامح الخصومية من غيرها، لكنها تسير عادة بانتظام مندمجة وفق النفس الدلالي العام. وترتبط ضمن الوحدات الأخرى بوشائج وإيحاءات متلازمة قد تصل إلى حد التنغيم الصارخ، لكنها تتصاعد في صور لوحات حركية دائمة تسنسخ تنويعات كبيرة متكررة.

وذلك التمايز الدلالي، وفقَ توفيق، يتعدى الشخوص القصصية إلى مواضع دلالية أخرى تتأسس من وظائف بعينها يحددها السرد القصصي في صورة من الرموز أو الشفرات، وقد تتعلق هذه الرموز أيضاً بالبنيات الصغيرة للحدث القصصي، أو قد تتقوقع داخل نقاط محددة من تنويعات الزمن، أو تعيش متوغلة في عالم المكان أو اللامكان.

 ويستذكر توفيق، أن الحديث عن موت القصة القصيرة، الذي طرح بقوة في مؤتمر القصة الذي عقد قبل أعوام في عمّان، ما هو إلا هراء، ولا قيمة، وأنه لا يوجد أي صراع أو تنافس مفترض بين القصة والرواية.

 ويذكر أن أول قصة قصيرة كتبَها كانت تحمل عنوان "بيدر الحزن الفلسطيني"، وكان أيامها طالبا في الثانوية العامة، حيث أرسلها لمحلق الرأي الثقافي الذي كان يصدر كل ثلاثاء، ويرأس التحرير للمحلق آنذاك القاص فخري قعوار.

 ويقول "كان حلمي نشرها في بريد القرّاء، ولكن المفاجأة أنها نشرت في المحلق الثقافي للرأي، وللحقيقة، وقتها لم أكن أملك ثمن شراء الجريدة، التي كان ثمنها قرشين، وتعرفت على قصتي المنشورة من خلال ركان وكان أمامي وأنا في باص جبل التاج، ويتصفح الراكب الأساسي الجريدة، وأنا أنظر إليه، إذ اسم قصتي يلمع في عيني ولم أصدق نفسي وقتها، ولكنها كانت الحقيقة.

كان ذلك في العام 1973، وبعد ذلك بسنوات أصدر توفيق المجموعة القصصية الأولى، التي حملت عنوان "آن لنا أن نفرح"، وفيها وفق قوله تتشكل شفرة المكان والزمان بين العناصر التالية: (البيت، القرية، المدينة، الشارع، المقهى، الماضي، الحاضر، المستقبل، الخريف، الصيف، الشتاء، النهار، الليل).

هذه المجموعة، تأتي شفرة المكان مرتبطة برسالة القاص، يوازي بين زمنين، الماضي وفيه كان المكان متألقاً شفافاً، متعاوناً شافياً، بلسماً.